محمد بن محمد ابو شهبة
282
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوا أن الخبر صحيح ، ووقعوا في رسول اللّه ونالوا منه ، فجعل سعد بن معاذ يشاتمهم فأغضبوه ، فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم ، فما بيننا وبينهم أعظم من المشاتمة ، ثم أقبل السعدان ومن معهما فقالوا : عضل والقارة ، أي غدر كغدرهم بأصحاب سرية الرجيع ، فقال رسول اللّه : « اللّه أكبر ، أبشروا يا معشر المسلمين » ، ثم تقنّع بثوبه واضطجع ، ومكث طويلا ، فعرفوا أنه لم يأته خير عن بني قريظة ، ثم رفع رأسه وقال : « أبشروا بفتح اللّه ونصره » . اشتداد البلاء والخوف وعظم البلاء على المسلمين ، واشتد الخوف ، فقد أتاهم العدو من فوقهم ، ومن أسفل منهم ، وتنوعت الظنون ، وكثرت الهواجس ، فأما المؤمنون المخلصون فازدادوا إيمانا ، وأيقنوا أن نصر اللّه لابدّ أن يكون ، وأما المنافقون وضعفاء الإيمان فقد كشفوا عن خبيئة نفوسهم حتى قال بعضهم : كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! ! وعزم البعض على الرجوع إلى المدينة ، وتعلّل بعضهم بأن بيوتهم مكشوفة غير محصّنة ، واستأذنوا النبي ورجعوا ، وهكذا استحكم البلاء ، ولاح الشر من كل مكان . ولن تجد أدق في تصوير هذه الحالة من قوله سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً . إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً . وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً . . . الآيات « 1 » . وقد اضطر الرسول وقد نقضت قريظة العهد أن يرسل مسلمة بن أسلم في مائتين ، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة لحراسة المدينة خوفا على النساء والذراري
--> ( 1 ) سورة الأحزاب : الآية 9 وما بعدها .